الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

25

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

لا يقضي بالتزام استعمال اللفظ في المعنى غير الموضوع له للفرق بين استعمال اللفظ في المعنى وإطلاق الكلي على الفرد ألا ترى أن استعمال الكلي في خصوص الفرد مجاز مع أن إطلاقه على ذلك ليس من المجازات في قولك رأيت إنسانا قد أطلقت الإنسان على خصوص الفرد الذي رأيته مع أنه ليس مجازا قطعا لاستعماله في نفس مفهومه ينبهك على ذلك أنك لو قلت رأيت إنسانا وقد رأيت شجرا كان قولك كذبا ولم يكن الاستعمال غلطا فإنّك لم تستعمل قولك إنسانا إلا في مفهوم فرد من الإنسان الغير الصادق على الشجر وكذا الحال في قولك رأيت عالما وقد رأيت زيدا الجاهل وقولك رأيت زيدا العالم وهو جاهل في الواقع فلو اشتبه عليك الحال فزعمته على ما أخبرت ظهر عليك حصول الغلط في الحكم دون الغلط في الاستعمال وكذا في الأخير بالنسبة إلى الحكم الضمني اللازم من التوصيف وهذا هو الوجه في عدم كون الأسامي الواردة على الشبح المرئي من بعد بحسب اختلاف اعتقاد المتكلم فيه غلطا لاستعمالها فيما وضعت له وإطلاقها على ذلك من جهة اعتقاد انطباق كل من تلك المعاني معها وإنما الغلط هناك في الاعتقاد المذكور إذا تبين ذلك ظهر أن مجرد إطلاق اسم المشبه به على المشبه لا يقتضي باستعماله في مفهومه لإمكان استعماله في المفهوم الذي وضع اسم المشبه به بإزائه وإطلاقه على ذلك الفرد لدعوى انطباقه عليه من غير استعماله اللفظ في المفهوم المفروض ليكون مجازا فالمعنى الموضوع له هو المراد من اللفظ إلا أنه غير منطبق على ما أطلق عليه على سبيل الحقيقة ففيها مخالفة للظاهر من تلك الجهة وهي جهة أخرى غير استعمال اللفظ فيه أولا الذي عليه مدار الكلام في المقام فالاستناد في استعمال الاستعارة في غير ما وضع له إلى الإطلاق المذكور غير متجه وكذا دعوى استعمالها فيما وضع له النسبة إذ لا شاهد على تعيينه كما عرفت وإمكان استعمالها في غير ما وضع له تنزيلا له منزلة الموضوع له من جهة المشابهة كأن يراد بالأسد في أسد يرمي مطلق الشجاع الصادق على الفرد المخصوص المتعلق للحكم في الاستعمال المفروض فظهر بما قررنا تصحيح الاستعارة بكل من الوجهين المذكورين ودوران الأمر فيها بالخروج عن الظاهر على كل من النحوين إلا أن الوجه الأول أبلغ فلا يتعين أحدهما بحسب الاستعمال وإنما يتعين بملاحظة المستعمل نعم الظاهر في بعض الأنواع الاستعارة استعمال اللفظ فيما وضع له والمقصود منها الانتقال إلى ما يشبه أو أمر آخر فمن ذلك الاستعارة في المركبات ويسمى بالتمثيل كما في قولك أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى المستعمل في مقام بيان تردد المخاطب فإن من البين أن تلك المفردات لا يمكن إخلاؤها من المعنى والقول باستعمال المركب في المعنى الذي شبه بمعناه الأصلي من دون استعمال المفردات في شيء بين الفساد لوضوح أن المعنى التركيبي إنما يؤخذ من معاني المفردات فإذا لم تكن مستعملة في شيء لم يعقل استعمال المركب في المعنى المقصود فهي لا محالة مستعملة في معانيها الحقيقية أو المجازية وحيث إن استعمالها في المعاني الذي يتركب منها المعنى المجازي والمقصود في المقام غير ظاهر بل فاسد ولو أمكن تصحيحه في المثال المفروض على بعض الوجوه الركيكة فلا يجري في غيره انحصر الأمر في استعمالها في معناها الحقيقي فيكون الغرض من استعمالها في معانيها هو إحضار معناه التركيبي في ذهن السامع لينتقل منها بمعونة القرينة إلى ما يشابهه في المقصود من تأدية العبارة المذكورة هو الحكم في المعنى المجازي إلا أن اللفظ غير مستعمل فيه وإنما استعمل في معناه الحقيقي للانتقال إلى المجازي المشابه له بواسطة القرينة حسبما بيناه هذا ما يقتضيه التحقيق في المقام وقد يرجع إليه ما ذكره علماء البيان في بيانه إلا أن تطبيق كلامهم عليه لا يخلو عن خفاء ومن ذلك الاستعارة التخيلية كما في قوله وإذا المنية أنشبت أظفارها فإن المقصود منها إثبات ذلك الأمر المختص بالمشبه به لتخيل أن المشبه من جنسه وهو إنما يكون باستعمالها فيما وضعت له غير أنه ليس المقصود منه ومنها المبالغة بأصنافها الثلاثة من التبليغ والإغراق والغلو فإن المبالغة هناك إنما تحصل باستعمال اللفظ فيما وضع له غير أنه ليس المقصود منه إثبات ذلك المعنى على سبيل الحقيقة بل المراد المبالغة في الأمر المقصود في ذلك المقام من المدح أو الذم ونحوهما هذا ولا يذهب عليك أن الصور المذكورة كلها مندرجة في حد الحقيقة على ظاهر حدها المعروف بين علماء الأصول والبيان لما عرفت من استعمال اللفظ في معناه الموضوع له في الجميع مع أن الظاهر بعد التأمل في الاستعمالات عدم اندراج شيء منها في الحقيقة فاتفق الفريقان على عد بعضها من المجاز واختلفوا في الكناية فالبيانيون جعلوها قسما برأسه وظاهر علماء الأصول إدراجها في المجاز وقد نص عليه بعضهم بل ربما يحكى إجماعهم عليه وحينئذ يشكل الحال في الحد المشهور بالنسبة إلى كل من الحقيقة والمجاز والذي يخطر ببالي في تصحيح هذا المرام أن يقال إن المراد باستعماله اللفظ في المعنى في المقام هو إطلاق اللفظ وقصد إفادة المعنى الملحوظ بأن يكون ذلك المعنى أول ما يراد حقيقة من اللفظ سواء تقدمه مراد صوري جعل واسطة في الانتقال إليه كما في الصور المفروضة أو لا كما في الحقائق وسائر أنحاء المجاز فيتفرع على ذلك إدراج الكناية في أحد وجهها في الحقيقة باصطلاح أهل الأصول وهو ما إذا أريد من اللفظ إفهام معناه الحقيقي وأريد الانتقال منه إلى لازمه أيضا فيكون المعنيان مقصودين بالإفادة فالمستعمل فيه على ما قررنا هو المعنى الحقيقي خاصة إذ ليس لازمه مرادا بالأصالة ابتداء وإنما أريد بتوسط إرادة المعنى الحقيقي فهو مدلول التزامي اللفظ قد صارت دلالة اللفظ عليه من جهة كونه لازما لما أريد منه مقصودا للمتكلم من غير أن يستعمل اللفظ فيه ولذا لا تكون قصده لتلك الدلالة تصرفا في اللفظ ليتوقف جوازه على ترخيص الواضع كما هو الحال في استعمال اللفظ في معانيه المجازية فبعد استعمال اللفظ في معناه الحقيقي وتعلق القصد به يحصل الدلالة على ذلك اللازم قهرا ولا يتفاوت الحال في استعمال اللفظ بين أن تكون الدلالة الخارجية مقصودة للمتكلم أيضا أو لا فالفرق بينه وبين ما إذا لم يكن المعنى الحقيقي مقصودا بالإفادة ظاهر للمتأمل لوضوح حصول التصرف في اللفظ هناك حيث أطلق وأريد غير معناه الموضوع له فيتوقف على ترخيص الواضع له لئلا يخرج عن كلام العرب من غير فرق بين ما يستعمل اللفظ في غير الموضوع له ابتداء وما يجعل إرادة المعنى الموضوع له صورة وصلة إليه فإنه حينئذ هو الذي يستعمل اللفظ فيه على الوجهين فظهر بما ذكرنا عدم اندراجها إذن في استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي معا وسيجيء لذلك مزيد توضيح في محله إن شاء الله فإن قلت إذا كان المناط في استعمال اللفظ في المعنى أن يكون ذلك المعنى هو المقصود الأصلي الأولي من العبارة بمعنى أن لا يتقدمه مقصود أصلي آخر يكون الانتقال إليه من جهته وإن تقدمه إرادة معنى آخر بمجرد الإيصال إليه لزم خروج كثير من الاستعمالات عن الحقيقة كما إذا كان الغرض المسوق له الكلام إفادة لازم الحكم أو كان الغرض الأصلي هو التلذذ بمخاطبة المحبوب ونحو ذلك من الأغراض مع أن من الظاهر إدراج ذلك كله في الحقيقة فما الفارق في المقام قلت من البين أن هناك لوازم لنفس الإخبار والمخاطبة ولوازم للمعنى المخبر به فإن كان المقصود بالإفادة هو اللازم على الوجه الثاني فهو يندرج في المجاز وينطبق عليه حده لكونه من استعمال اللفظ في غير ما وضع له مع مناسبته له وأما إرادة اللازم على الوجه الأول فليس من استعمال اللفظ في ذلك أصلا بل المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي إلا أنه ليس مقصود المتكلم من الكلام إفادة مضمونه بل سائر الفوائد المترتبة على ذلك الكلام من لازم الحكم أو غيره للمعنى الموضوع له مقصودا بالذات